الذهبي
269
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فقال : يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك : من زعم من أهل نيسابور ، وقومس ، والرّيّ ، وهمدان ، وبغداد ، والكوفة ، والبصرة ، ومكّة ، والمدينة ، أنّي قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذّاب ، فإنّي لم أقله . إلّا أنّي قلت : أفعال العباد مخلوقة [ ( 1 ) ] . وقال حاتم بن أحمد الكنديّ : سمعت مسلم بن الحجّاج يقول : لمّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به . استقبلوه مرحلتين وثلاثة . فقال محمد بن يحيى : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله . فاستقبله محمد بن يحيى وعامّة العلماء ، فقال لنا الذّهليّ : لا تسألوه عن شيء من الكلام ، فإنّه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه ، ثمّ شمت بنا كلّ حروريّ ، وكلّ رافضيّ وكلّ جهميّ ، وكلّ مرجئ بخراسان . قال : فازدحم النّاس على محمد بن إسماعيل حتّى امتلاء السّطح والدّار فلمّا كان اليوم الثّاني أو الثّالث قام إليه رجل ، فسأله عن اللّفظ بالقرآن ، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا . فوقع بينهم اختلاف ، فقال بعض النّاس : قال لفظي بالقرآن مخلوق . وقال بعضهم : لم يقل . حتّى تواثبوا ، فاجتمع أهل الدّار وأخرجوهم [ ( 2 ) ] . وكان قد نزل في دار البخاريّين . وقال أحمد بن سلمة : دخلت على البخاريّ فقلت : يا أبا عبد اللَّه ، هذا رجل مقبول ، خصوصا في هذه المدينة ، وقد لجّ في هذا الحديث حتّى لا يقدر أحد منّا أن يكلمه ، فما ترى ؟ فقبض على لحيته ثمّ قال : فأفوّض أمري إلى اللَّه ، إنّ اللَّه بصير بالعباد . اللَّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرّئاسة . وإنّما أبت عليّ نفسي في الرّجوع إلى وطني لغلبة المخالفين . وقد قصدني هذا الرّجل حسدا لما آتاني اللَّه لا غير . يا أحمد إنّي خارج غدا ليتخلّصوا من [ حديثه لأجلي ] [ ( 3 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] تاريخ بغداد 2 / 32 ، سير أعلام النبلاء 12 / 457 ، 458 ، طبقات الشافعية الكبرى 2 / 230 ، مقدّمة فتح الباري 492 . [ ( 2 ) ] سير أعلام النبلاء 12 / 458 . [ ( 3 ) ] بياض في الأصل ، والمستدرك من : سير أعلام النبلاء 12 / 459 وفيه : « لتتخلصوا » ، ومقدمة